تحول استراتيجي إسرائيلي: إنشاء "مناطق عازلة" استعداداً لحرب شبه دائمة

تشهد منطقة الشرق الأوسط تطورات استراتيجية معقدة، حيث تتبنى إسرائيل سياسة جديدة ترتكز على إنشاء "مناطق عازلة" على طول حدودها مع الدول المجاورة. هذه الخطوة، التي أشار إليها مسؤولون في القطاعين العسكري والدفاعي الإسرائيلي، تعكس تحولاً عميقاً في العقيدة الأمنية للبلاد، مدفوعة بإدراك متزايد لصعوبة القضاء التام على الفصائل المسلحة التي تعتبرها تهديداً لوجودها.

واقع جديد: اعتراف بعدم القدرة على الإبادة التامة

تؤكد هذه الاستراتيجية الجديدة، التي تشمل إقامة مناطق عازلة في غزة وسوريا، والآن في لبنان، على حقيقة باتت واضحة بعد سنوات من الصراع: لا يمكن القضاء بشكل كامل على قادة إيران، وحزب الله في لبنان، وحماس في غزة، والميليشيات المنتشرة في المنطقة. يرى محللون، مثل نيثان براون من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، أن القيادة الإسرائيلية قد سلمت بأمر واقع "الحرب الدائمة"، حيث ينصب التركيز على الردع والإبعاد بدلاً من الإبادة الكاملة.

تصعيد في لبنان: "منطقة عازلة" بعمق 8% من الأراضي

شهدت الحدود اللبنانية الإسرائيلية تصعيداً ملحوظاً بعد إطلاق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل في الثاني من مارس. رداً على ذلك، شنت القوات الإسرائيلية عملية برية في جنوب لبنان، بهدف إنشاء "منطقة عازلة" تصل إلى عمق نهر الليطاني، وهي منطقة تمثل ما يقرب من 8% من الأراضي اللبنانية. وقد صدرت أوامر بإخلاء مئات الآلاف من السكان في هذه المنطقة، وبدأت إسرائيل في تدمير منازل في القرى الشيعية، مدعية أنها تستخدم من قبل حزب الله لتخزين الأسلحة أو شن الهجمات.

صرح مسؤول عسكري إسرائيلي رفيع، طلب عدم الكشف عن اسمه، بأن الهدف هو "تطهير" المنطقة الواقعة على بعد 5 إلى 10 كيلومترات من الحدود، لإبعاد البلدات الإسرائيلية عن مدى القذائف الصاروخية. وأشار هذا المسؤول إلى أن ما يقرب من 90% من المنازل في بعض القرى الحدودية اللبنانية تحتوي على أسلحة أو معدات مرتبطة بحزب الله، مما يجعلها أهدافاً عسكرية مشروعة تستدعي التدمير. وأضاف أن العديد من هذه القرى تقع على قمم الجبال المطلة مباشرة على البلدات والمواقع العسكرية الإسرائيلية.

مفهوم أمني جديد: "المناطق العازلة" كمبدأ وقائي

يعتبر الخبير العسكري الإسرائيلي المتقاعد، أساف أوريون، أن إنشاء "المناطق العازلة" يمثل مفهوماً أمنياً جديداً، حيث "لا يمكن لمجتمعات الحدود أن تحصل على الحماية بمجرد خط الحدود". وأضاف: "لم تعد إسرائيل تنتظر وقوع الهجمات، بل تبادر بالضربة الاستباقية بمجرد ظهور التهديد".

توسع إسرائيلي متعدد الجبهات

بمجرد اكتمال بناء "المنطقة العازلة" ضد حزب الله، ستكون إسرائيل قد أكملت سيطرتها على أراضٍ أو احتلتها في لبنان وسوريا والضفة الغربية وقطاع غزة. في غزة، تواصل إسرائيل السيطرة على أكثر من نصف مساحة القطاع بعد اتفاق وقف إطلاق النار مع حماس في أكتوبر الماضي. ورغم أن الاتفاق ينص على انسحاب إسرائيلي كامل مقابل نزع سلاح حماس، إلا أن هذا السيناريو يبدو بعيد المنال في المدى القصير.

في خطاب فيديو نُشر في 31 مارس، صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: "لقد أنشأنا حزاماً أمنياً في عمق ما وراء الحدود". وأضاف: "في غزة - نسيطر على أكثر من نصف المساحة؛ في سوريا - من قمة جبل حرمون إلى نهر اليرموك؛ وفي لبنان - منطقة عازلة واسعة، تحبط تهديدات التوغل وتحتجز النيران المضادة للدبابات خارج مجتمعاتنا".

ومع ذلك، أشار أحد أعضاء مجلس الوزراء ومسؤولين آخرين إلى أن خطة "المنطقة العازلة" في لبنان لم تُقدم بعد لمجلس الوزراء للمراجعة. وقد وجهت استفسارات الجيش الإسرائيلي حول هذه المسألة إلى مكتب رئيس الوزراء، الذي لم يرد فوراً على طلبات التعليق.

تدمير قرى: انتهاك للقانون الدولي؟

تاريخياً، وسعت إسرائيل سيطرتها على أراضٍ خارج حدودها، بما في ذلك الضفة الغربية وقطاع غزة، اللذين احتلتهما في حرب عام 1967، وهضبة الجولان السورية، التي ضمتها من جانب واحد عام 1981. يعيش اليوم مئات الآلاف من المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، جنباً إلى جنب مع حوالي 3 ملايين فلسطيني، يعتبرون هذه الأرض أساس دولتهم المستقبلية.

بالنسبة للعديد من اللبنانيين والفلسطينيين النازحين، فإن الاستيلاء على الأراضي وتدمير القرى يشير إلى توسع إقليمي إضافي، وهو تفسير عززه خطاب بعض الأعضاء اليمينيين المتطرفين في حكومة نتنياهو. فقد صرح وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريش، في مارس بأن إسرائيل يجب أن تمتد حدودها حتى نهر الليطاني. ولقد أدلى بتصريحات مماثلة بشأن غزة، داعياً إلى ضمها وتوطين الإسرائيليين فيها.

ومع ذلك، أوضح مسؤول عسكري آخر، طلب عدم الكشف عن هويته، أن نهر الليطاني لن يكون الحدود الجديدة. وستكون "المنطقة العازلة" مواقع للدوريات السريعة للقوات البرية حسب الحاجة، وليس مواقع دائمة على طول النهر. وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، شبه الدمار الذي لحق بجنوب لبنان بسياسة الأرض المحروقة التي اتبعتها إسرائيل ضد حماس في غزة، والتي أدت إلى إخلاء مدن بأكملها. وفي 31 مارس، قال: "سيتم تدمير منازل القرى المتاخمة للحدود، والتي هي في الواقع مواقع أمامية لحزب الله، على غرار نموذج رفح وخان يونس في غزة، للقضاء على التهديد للمدن الإسرائيلية".

من جهته، أوضح إران شامير-بورير، خبير القانون الدولي في معهد الديمقراطية الإسرائيلي، أن تدمير الممتلكات المدنية يعتبر بشكل عام سلوكاً غير قانوني، ما لم تستخدم الممتلكات لأغراض عسكرية. وأضاف: "إذا تم تدمير منازل في جنوب لبنان على نطاق واسع دون تحليل كل حالة على حدة، فسيكون ذلك انتهاكاً للقانون".

شكوك إسرائيلية بشأن اتفاقيات السلام: عبء عسكري طويل الأمد

يعود تفضيل القيادة الإسرائيلية لاستراتيجية "المناطق العازلة" إلى عقود من الفشل في التوصل إلى اتفاقيات سلام طويلة الأمد مع الفلسطينيين ولبنان وسوريا. يشكك الإسرائيليون بشدة في إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين، حيث أظهر استطلاع لمركز بيو للأبحاث في عام 2025 أن 21% فقط من الإسرائيليين يعتقدون أن إسرائيل وفلسطين يمكن أن تتعايشا بسلام. كما أظهر استطلاع لمعهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب أن 26% فقط من الإسرائيليين يثقون في أن وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر سيجلب سنوات من الهدوء، ويتوقع الأغلبية تجدد القتال بسرعة.

يشير أوفير شيلاه، مدير برنامج الأبحاث في المعهد، إلى أنه في غياب إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام مع لبنان، يمكن لـ "المنطقة العازلة" الشمالية أن تمنع حزب الله من شن هجمات أو توغلات برية. ومع ذلك، يحذر شيلاه من أن زيادة القوات المطلوبة للدوريات على جبهات متعددة في لبنان وغزة وسوريا والضفة الغربية ستضع ضغوطاً هائلة على الجيش في نهاية المطاف. ويختتم بالقول: "في النهاية، من الأفضل لنا العودة إلى الحدود الدولية، والحفاظ على دفاع استباقي متحرك خارج الحدود، بدلاً من إنشاء مواقع أمامية هناك".


تحذير المخاطر: يتم توفير هذا المقال لأغراض معلوماتية فقط، ولا يشكل نصيحة استثمارية، أو بحثاً استثمارياً، أو توصية للتداول. إن الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر مؤلفها ولا تعكس بالضرورة موقف لمنصة Markets.com. عند النظر في تداول الأسهم، والمؤشرات، والفوركس (النقد الأجنبي)، والسلع، وتوقعات الأسعار الخاصة بها، تذكر أن تداول العقود مقابل الفروقات (CFDs) ينطوي على درجة كبيرة من المخاطر وقد لا يكون مناسباً لجميع المستثمرين. يمكن أن تؤدي المنتجات ذات الرافعة المالية إلى خسارة رأس المال. كما أن الأداء السابق ليس مؤشراً على النتائج المستقبلية. قبل البدء في التداول، يرجى التأكد من فهمك الكامل للمخاطر التي تنطوي عليها العملية، وخذ في الاعتبار أهدافك الاستثمارية ومستوى خبرتك. قد يتم تطبيق قيود على تداول العقود مقابل الفروقات على العملات الرقمية اعتماداً على النطاق القضائي.

آخر الأخبار

أسعار الذهب

الخميس, 23 تَمُّوز 2026

Indices

أسعار الذهب اليوم: الذهب يتراجع بشكل طفيف إلى 4,030 دولاراً وسط ترقب بيانات الاقتصاد الأمريكي

أسهم عمان

الخميس, 23 تَمُّوز 2026

Indices

بورصة مسقط تواصل الصعود.. سهم صحار للطاقة يقفز 9.95% ويقود موجة مكاسب في أسهم البنوك والاستثمار

أسهم في السعودية

الخميس, 23 تَمُّوز 2026

Indices

تداول السعودية تواصل الزخم الإيجابي.. سهم الصناعات الكهربائية يقفز 9.93% ويقود مكاسب الصناعة والرعاية الصحية

أسعار النفط

الخميس, 23 تَمُّوز 2026

Indices

أسعار النفط اليوم: خام برنت يحافظ على التداول فوق 100 دولار للبرميل.. هل يفتح الطريق نحو 110 دولارات؟

أسهم الكويت

الخميس, 23 تَمُّوز 2026

Indices

بورصة الكويت تواصل الزخم الإيجابي.. سهم المجموعة البترولية المستقلة يقفز 20.91% ويقود مكاسب الطاقة والتأمين

أسعار النفط

الأربعاء, 22 تَمُّوز 2026

Indices

أسعار النفط اليوم: خام برنت يتجاوز 95 دولاراً وسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.. هل يقترب النفط من 100 دولار؟

معادن

الأربعاء, 22 تَمُّوز 2026

Indices

سهم معادن يرتفع فوق 58 ريالًا: هل بدأ عملاق التعدين السعودي مرحلة صعود جديدة بدعم أسعار المعادن ورؤية السعودية 2030؟

سابك SABIC.

الأربعاء, 22 تَمُّوز 2026

Indices

سهم سابك يرتفع بأكثر من 2% ويستعيد مستوى 53 ريالاً هل تبدأ عملاقة البتروكيماويات السعودية موجة صعود جديدة؟

أسعار الذهب

الأربعاء, 22 تَمُّوز 2026

Indices

أسعار الذهب اليوم: الذهب يتراجع بشكل طفيف لكنه يحافظ على التداول فوق 4,120 دولاراً.. هل يستأنف الصعود نحو 4,200 دولار؟

SAL Saudi

الأربعاء, 22 تَمُّوز 2026

Indices

سهم سال السعودية للخدمات اللوجستية يتراجع إلى 163 ريالاً وسط ترقب النتائج.. هل تمثل الأسعار الحالية فرصة استثمارية جديدة؟