غموض مصير المواد النووية الإيرانية: بين ادعاءات أمريكية وتحديات رقابية

في ظل الأجواء المتوترة التي تشهدها المنطقة، وتركز الاهتمام العالمي على مضيق هرمز والهدنة الهشة التي بالكاد صمدت، برز تباين لافت في المعلومات بين الادعاءات الأمريكية بشأن قدرتها على تحديد مواقع المواد النووية الإيرانية واستعادتها، وبين الواقع الذي يرصده مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA). هذا التفاوت لا يعكس فقط اختلافاً في الرؤى، بل يشير إلى تحول في أولويات واشنطن وطبيعة التحديات التي تواجه المجتمع الدولي في مراقبة برنامج إيران النووي.

الادعاءات الأمريكية مقابل الواقع الدولي

أعلنت الولايات المتحدة مؤخراً أنها تمتلك معلومات دقيقة حول مواقع المواد النووية الأكثر حساسية في إيران، وأنها قادرة على تأمينها. وقد صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن بلاده ستتعاون مع طهران "للتنقيب عن هذه المواد النووية ونقلها". كما ذهب وزير الحرب الأمريكي، مارك إسبر، إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى احتمالية قيام القوات الأمريكية "بالاستيلاء عليها وإخراجها". هذه التصريحات تعكس ثقة أمريكية بقدرتها على التحكم في الوضع، بل وحتى على التدخل العسكري المباشر لضمان عدم استخدام هذه المواد.

لكن، على النقيض من ذلك، يقدم الدبلوماسيون المطلعون على تقييمات الوكالة الدولية للطاقة الذرية صورة مختلفة تماماً. فقد كشف مسؤولان رفيعان في الوكالة، فضلا عن عدم الكشف عن هويتهما نظراً لحساسية المعلومات، أن المفتشين لم يتلقوا أي إخطار بشأن خطة مشتركة أمريكية إيرانية لاستعادة اليورانيوم. والأكثر من ذلك، أن العلاقة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد بلغت مستويات متدنية للغاية منذ بدء الجولة الأخيرة من الهجمات في 28 فبراير، مما يجعل استئناف أي صلاحيات رقابية أمراً مستبعداً في المدى القريب. هذا الوضع يترك المنظمة الرقابية العالمية، وكذلك الولايات المتحدة، في حالة من الضبابية الشديدة فيما يتعلق بواحد من أخطر الترسانات النووية المحتملة في العالم.

تحديات التحقق وتوزيع المواد

كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تحققّت من امتلاك إيران لحوالي 441 كيلوغراماً (972 رطلاً) من اليورانيوم عالي التخصيب قبل أن تقوم الولايات المتحدة وإسرائيل بضربات عسكرية في يونيو 2025، مما أدى إلى تعطيل عمليات التحقق. ومنذ ذلك الحين، فقد المفتشون القدرة على التأكد بشكل مطلق من أماكن وجود هذه المواد. وبينما تشير تصريحات ترامب وإسبر إلى تركيز المخزون بالقرب من منشأة أصفهان النووية، فإن الدبلوماسيين يرون أن حوالي نصف هذه الكمية فقط هي المتواجدة هناك. أما النصف المتبقي، فيُعتقد أنه موزع على منشآت مثل نطنز وفوردو، أو حتى في مواقع سرية غير معروفة. وقد حذرت إيران الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل عام من احتمالية نقل حاويات المواد النووية إلى مواقع غير معلنة في حال تعرضت لتهديد أمني.

ويؤكد روبرت كيلي، مهندس الأسلحة النووية الأمريكي ورئيس سابق في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن "صور الأقمار الصناعية لا تلعب أي دور في التحقق من المواقع الدقيقة لمخزونات اليورانيوم الإيرانية." ويضيف أن الحكومة الأمريكية "تعرف بشكل تقريبي عدد الحاويات فقط لأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية زودتهم بالبيانات."

التحديات الهيكلية لاستعادة الرقابة

إن التحديات تتجاوز المخزونات المعروفة. فإيران تمتلك أيضاً أكثر من 8000 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بدرجات تركيز مختلفة، والتي ستحتاج إلى تفسير واضح في أي اتفاق مستقبلي. ويشير الدبلوماسيون إلى أنه حتى لو تمكنت واشنطن وطهران من التوصل إلى اتفاق تعاون، فإن إعادة تشكيل صورة شاملة وقابلة للتحقق لبرنامج إيران النووي قد تستغرق سنوات.

يعود السبب في ذلك إلى أن البنية التحتية التي دعمت عقوداً من جهود المراقبة قد تضررت بشدة. فقد تم تدمير منشآت أجهزة الطرد المركزي، وتُركت أختام الوكالة الدولية للطاقة الذرية عرضة للخطر، كما أن "سلسلة الأدلة" التي كانت تسمح للمفتشين بتتبع المواد على المدى الطويل قد أصبحت وهماً. ومن المحتمل أن يكون بعض اليورانيوم قد تسرب إلى البيئة بعد الهجمات، مما يزيد من تعقيد عمليات القياس والاستعادة. عملياً، يحتاج المفتشون إلى إعادة فحص 20 عاماً من المعرفة بأنشطة إيران النووية، وهي عملية معقدة للغاية لا يمكن تسريعها بمجرد إطلاق شعارات سياسية.

المخاطر العسكرية والوضع التفاوضي

هذه الشكوك تزيد من تعقيد أي خطط أمريكية لاستعادة المواد النووية بالقوة. ففكرة استعادة اليورانيوم بواسطة القوات الخاصة، كما اقترح إسبر، على غرار المهام العسكرية السابقة ضد أصول حساسة، تحمل مخاطر عالية للغاية في غياب معلومات دقيقة ومستقلة. يرى كيلي أن مهمة القوات البرية قد تقتصر على "عد الحاويات" بدلاً من التأكد من محتوياتها، وهو تمييز حاسم عند التعامل مع مواد حساسة يمكن استخدامها بسرعة. "هذه مواد جاهزة للاستخدام"، يؤكد، "إنها أزمة في الوقت الحقيقي. يمكن تحويلها إلى أسلحة في غضون ساعات أو أيام".

عدم اليقين بشأن المواقع الدقيقة يعني أن أي عملية قد تفوت جزءاً من المخزون، تاركة المواد المتبقية في حالة مجهولة، مع إمكانية سهولة الحصول عليها. وهذا الوضع الغامض، الذي يوصف بـ "عدم معرفة الكثير"، يعطي إيران ميزة تفاوضية.

ويقول جيمس آكتون، عالم الفيزياء ومدير مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في واشنطن: "الإيرانيون يمسكون بالورقة الرابحة بالتأكيد." ففي ظل عدم وضوح حالة المخزونات، تمتلك طهران زمام المبادرة في أي مفاوضات، خاصة مع ما يبدو أنها تحول في الأولويات الاستراتيجية الأمريكية.

الطموحات النووية غير محبطة

أما السؤال الأكبر حول ما إذا كانت القوة العسكرية قد أحبطت فعلياً الطموحات النووية الإيرانية، فلا يزال سؤالاً مفتوحاً. وتؤكد داريا دولزيكوفا، باحثة أولى في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، أن هذه الضربات العسكرية "من غير المرجح أن تقضي تماماً على البرنامج النووي الإيراني."

وتوضح أن "برنامج إيران النووي لم يكن أبداً ليتم القضاء عليه بالكامل بالوسائل العسكرية." وتضيف: "نحن لا نعرف مدى الضرر الفعلي. لم نر تقييماً موثوقاً للأضرار حتى الآن." وعلى الرغم من أن البنية التحتية قد تم إضعافها بلا شك، إلا أن القدرات الأساسية، بما في ذلك الاحتياطي التكنولوجي والمواد النووية المتبقية، لا تزال قائمة. وتعتقد دولزيكوفا أن الصراع ربما حفز إيران إلى حد ما، وعزز تصميمها على الحفاظ على هذه القدرة أو حتى توسيعها.

وتختتم بالقول: "إذا كان هناك أي تأثير، فهو أنه غير التفكير الاستراتيجي الإيراني، وجعل الأمور أكثر تعقيداً."


تحذير المخاطر: يتم توفير هذا المقال لأغراض معلوماتية فقط، ولا يشكل نصيحة استثمارية، أو بحثاً استثمارياً، أو توصية للتداول. إن الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر مؤلفها ولا تعكس بالضرورة موقف لمنصة Markets.com. عند النظر في تداول الأسهم، والمؤشرات، والفوركس (النقد الأجنبي)، والسلع، وتوقعات الأسعار الخاصة بها، تذكر أن تداول العقود مقابل الفروقات (CFDs) ينطوي على درجة كبيرة من المخاطر وقد لا يكون مناسباً لجميع المستثمرين. يمكن أن تؤدي المنتجات ذات الرافعة المالية إلى خسارة رأس المال. كما أن الأداء السابق ليس مؤشراً على النتائج المستقبلية. قبل البدء في التداول، يرجى التأكد من فهمك الكامل للمخاطر التي تنطوي عليها العملية، وخذ في الاعتبار أهدافك الاستثمارية ومستوى خبرتك. قد يتم تطبيق قيود على تداول العقود مقابل الفروقات على العملات الرقمية اعتماداً على النطاق القضائي.

آخر الأخبار

أسعار الذهب

الخميس, 23 تَمُّوز 2026

Indices

أسعار الذهب اليوم: الذهب يتراجع بشكل طفيف إلى 4,030 دولاراً وسط ترقب بيانات الاقتصاد الأمريكي

أسهم عمان

الخميس, 23 تَمُّوز 2026

Indices

بورصة مسقط تواصل الصعود.. سهم صحار للطاقة يقفز 9.95% ويقود موجة مكاسب في أسهم البنوك والاستثمار

أسهم في السعودية

الخميس, 23 تَمُّوز 2026

Indices

تداول السعودية تواصل الزخم الإيجابي.. سهم الصناعات الكهربائية يقفز 9.93% ويقود مكاسب الصناعة والرعاية الصحية

أسعار النفط

الخميس, 23 تَمُّوز 2026

Indices

أسعار النفط اليوم: خام برنت يحافظ على التداول فوق 100 دولار للبرميل.. هل يفتح الطريق نحو 110 دولارات؟

أسهم الكويت

الخميس, 23 تَمُّوز 2026

Indices

بورصة الكويت تواصل الزخم الإيجابي.. سهم المجموعة البترولية المستقلة يقفز 20.91% ويقود مكاسب الطاقة والتأمين

أسعار النفط

الأربعاء, 22 تَمُّوز 2026

Indices

أسعار النفط اليوم: خام برنت يتجاوز 95 دولاراً وسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.. هل يقترب النفط من 100 دولار؟

معادن

الأربعاء, 22 تَمُّوز 2026

Indices

سهم معادن يرتفع فوق 58 ريالًا: هل بدأ عملاق التعدين السعودي مرحلة صعود جديدة بدعم أسعار المعادن ورؤية السعودية 2030؟

سابك SABIC.

الأربعاء, 22 تَمُّوز 2026

Indices

سهم سابك يرتفع بأكثر من 2% ويستعيد مستوى 53 ريالاً هل تبدأ عملاقة البتروكيماويات السعودية موجة صعود جديدة؟

أسعار الذهب

الأربعاء, 22 تَمُّوز 2026

Indices

أسعار الذهب اليوم: الذهب يتراجع بشكل طفيف لكنه يحافظ على التداول فوق 4,120 دولاراً.. هل يستأنف الصعود نحو 4,200 دولار؟

SAL Saudi

الأربعاء, 22 تَمُّوز 2026

Indices

سهم سال السعودية للخدمات اللوجستية يتراجع إلى 163 ريالاً وسط ترقب النتائج.. هل تمثل الأسعار الحالية فرصة استثمارية جديدة؟