مضيق هرمز: شريان الاقتصاد العالمي تحت الحصار وتداعياته المعقدة

يشهد الاقتصاد العالمي حالياً وضعاً بالغ الحساسية، أشبه بمن يحتجز رهينة، وذلك جراء الحصار الفعلي الذي يفرضه الوضع الراهن على مضيق هرمز. وقد انعكست هذه التطورات بشكل مباشر على أسعار الوقود، حيث شهدت أسعار البنزين ووقود الطائرات ووقود الديزل ارتفاعات صاروخية. بالتوازي مع ذلك، سجلت البورصات الأمريكية تراجعات حادة، مما يرفع من وتيرة المخاوف بشأن احتمالية دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة ركود.

اقتراح الانسحاب الأمريكي: هل هو الحل أم تفاقم للمشكلة؟

في خضم محاولات مضنية استمرت لأسابيع لإعادة فتح هذا الممر المائي الاستراتيجي المطل على السواحل الإيرانية دون جدوى، طرح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب فكرة جديدة مثيرة للجدل: الانسحاب الأمريكي المباشر، وترك الأطراف الأخرى للتعامل مع هذا المأزق. وقد صرح ترامب لصحيفة “نيويورك بوست” بأن مضيق هرمز “سيُفتح تلقائياً” بعد انسحاب القوات الأمريكية. وقال مخاطباً الدول التي تعتمد على هذا الممر: “دعوا تلك الدول التي تستخدم المضيق تقوم بفتحه بأنفسها”.

وتشير تقارير صحفية إلى أن ترامب قد أبلغ مساعديه باستعداده لإنهاء العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران، حتى لو ظل مضيق هرمز مغلقاً بشكل فعلي. وعبر ترامب عن موقفه هذا عبر منصة “تروث سوشيال” قائلاً: “اذهبوا واحصلوا على نفطكم بأنفسكم!”. كما أدلى بتصريحات للصحفيين مفادها أن أسعار البنزين، التي تجاوزت 4 دولارات للجالون لأول مرة منذ عام 2022، ستنخفض قريباً بمجرد مغادرة الولايات المتحدة لإيران.

تحذيرات الخبراء: الحلول غير المكتملة تزيد الطين بلة

على النقيض من ذلك، يرى خبراء أسواق الطاقة أن إنهاء العمليات العسكرية دون إعادة فتح مضيق هرمز لن يحل أزمة الطاقة الراهنة. ويصف دان بيكرينغ، المؤسس والرئيس التنفيذي للاستثمار في Pickering Energy Partners، هذا الاقتراح بأنه “فكرة سيئة للغاية”. وأوضح أن هذا النهج سيكون بمثابة “مشروع غير مكتمل”، وسيؤدي على المدى الطويل إلى تفاقم المشكلات أكثر مما يحلها على المدى القصير. ووصف باتريك دي هان، رئيس قسم تحليل النفط في GasBuddy، فكرة “رفع الراية البيضاء” في مسألة المضيق بأنها ستعني تسليمه لإيران، مما سيسهم حتماً في رفع أسعار الطاقة، حيث ستتمكن إيران من استهداف السفن وفرض رسوم عبور بلا قيود. ووصف ذلك بأنه “فشل كارثي”.

يرى البعض أن طرح ترامب لهذه الفكرة قد يكون محاولة للضغط على الحلفاء لزيادة دعمهم لفتح الممر، أو ربما مجرد مناورة تكتيكية قبل أي تحرك عسكري محتمل. وقد سخر بعض المستثمرين من تصريحات الانسحاب الأمريكي دون إعادة فتح المضيق، واصفين إياها بأنها “غير منطقية على الإطلاق” وتفتقر إلى التعقل.

المشكلة الأساسية: تعطيل أكبر إمدادات نفطية في التاريخ

يؤكد العاملون في سوق النفط أن حل الأزمة الراهنة، التي تمثل أكبر اضطراب في الإمدادات على الإطلاق، يكمن في معالجة الشلل الذي يعتري مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي خُمس إمدادات النفط العالمية. ويشدد دي هان على أنه “لا يمكننا الاهتزاز على ميزان الاقتصاد العالمي والتظاهر بأن كل شيء على ما يرام”.

وقد أضافت التصريحات المتناقضة من الجانب الإيراني حول فتح المضيق مزيداً من التعقيد. فقد أكد نائب رئيس البرلمان الإيراني أن المضيق “لن يُفتح، ولم نعقد أي مفاوضات، ولن نعقدها في المستقبل”. في المقابل، صرح رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إبراهيم عزيز، لترامب بأن المضيق “سيعاد فتحه بالتأكيد، ولكن ليس لأمريكا”.

تأثيرات عالمية ومحلية: الارتباط الوثيق للأسواق

على الرغم من أن الولايات المتحدة، بصفتها أكبر منتج للنفط في العالم، تتمتع بقدرة أكبر على تحمل المخاطر مقارنة بالدول الآسيوية والأوروبية التي تعتمد بشكل مباشر على مضيق هرمز، إلا أنها ليست بمنأى عن التداعيات. فالاضطرابات في سلاسل الإمداد، حتى لو كانت بعيدة آلاف الأميال، يمكن أن تؤثر بشكل ملموس على المستهلكين الأمريكيين. يوضح فيكاس ديفيدي، استراتيجي النفط والغاز العالمي في مجموعة ماكواري المصرفية الاستثمارية الأسترالية، أن “أسعارنا العالمية مرتبطة بشكل وثيق بالأسعار العالمية”.

لا تعتمد مصافي التكرير الأمريكية فقط على النفط الخام المحلي لإنتاج الوقود. فهي غالباً ما تمزج النفط الأمريكي الخفيف جداً مع النفط الخام الأثقل المستورد من الخارج. ويتم استيراد مئات الآلاف من براميل النفط الأجنبي يومياً، خاصة إلى السواحل الشرقية والغربية. بالإضافة إلى ذلك، تستورد الولايات المتحدة كميات كبيرة من البنزين ووقود الطائرات والديزل لتلبية الطلب المحلي القوي. ويحذر كلاوديو جاليبرتي، كبير الاقتصاديين في Rystad Energy، من أن مناطق مثل كاليفورنيا ونيويورك تعتمد على استيراد المنتجات النهائية، وبالتالي ستواجه صعوبات إذا بدأت آسيا وأوروبا في مواجهة نقص مماثل.

عوامل المخاطرة والعوائد المطلوبة

في حال استمرار شبه إغلاق مضيق هرمز، ستتجه آسيا وأوروبا والمنطقة بشكل عام إلى البحث عن مصادر بديلة، مما قد يعني زيادة الطلب على النفط الأمريكي. وعلى الرغم من أن حظر تصدير النفط الأمريكي قد رُفع في عام 2015، مما أدى إلى زيادة هائلة في الصادرات، إلا أن المحللين يحذرون من أن زيادة الطلب الخارجي قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار المحلية في الولايات المتحدة، مما يقلل من الميزة السعرية التي يتمتع بها النفط الأمريكي حالياً. يقول بوب ياغر، خبير السلع في Mizuho Securities، إن المنتجين الأمريكيين لن يترددوا في بيع النفط للمشترين الأجانب طالما أن هناك فرصة لتحقيق الربح، بغض النظر عن التأثير على الأسعار المحلية.

إن استمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز سيجعل المستثمرين يعتبرون هذا الممر المائي منطقة خطرة وغير مؤكدة. ونتيجة لذلك، سيطالبون بعوائد إضافية، ما يعرف بـ “علاوة المخاطر الجيوسياسية”، والتي ستفرض ضغوطاً مستمرة على الأسعار العالمية، بما في ذلك أسعار الوقود في محطات الخدمة الأمريكية. ويشير آندي ليبو، رئيس Lipow Oil Associates، إلى أن “هناك مخاطر جيوسياسية هائلة تتسرب إلى السوق، لأن إيران يمكن أن تتخذ نفس الإجراءات مرة أخرى في أي وقت”.

هذه التطورات قد تفسر لماذا كان ترامب، في وقت مبكر من يوم الاثنين، يعتبر إعادة فتح مضيق هرمز مهمة ذات أولوية قصوى. فقد هدد في منشور على “تروث سوشيال” بتدمير جميع محطات توليد الطاقة وآبار النفط والموانئ الإيرانية إذا لم “يُفتح” مضيق هرمز “فوراً”.

يرى بوب ماكنالي، رئيس Rapidan Energy Group، أنه إذا انسحبت الولايات المتحدة من مضيق هرمز وتركت زمام الأمور لإيران، فقد يحدث انخفاض في أسعار النفط كنوع من الارتياح المؤقت، ولكنه لن يكون دائماً. ويؤكد أن هذا “لن ينهي الأزمة”.

إن الأحداث التي تقع في الجانب الآخر من العالم لها تأثير مباشر ومؤلم على الاقتصاد المحلي الأمريكي. وتجاهل الوضع المتأزم لمضيق هرمز قد يؤدي إلى تجاهل هذا الدرس القاسي. ويختتم ديفيدي من ماكواري بالقول: “يمكن لكل من يشارك في هذه العملية أن يتحدث بحرية، بل ويعلن النصر. ولكن قبل إعادة فتح مضيق هرمز، ستتراكم المشاكل فقط”.


تحذير المخاطر: يتم توفير هذا المقال لأغراض معلوماتية فقط، ولا يشكل نصيحة استثمارية، أو بحثاً استثمارياً، أو توصية للتداول. إن الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر مؤلفها ولا تعكس بالضرورة موقف لمنصة Markets.com. عند النظر في تداول الأسهم، والمؤشرات، والفوركس (النقد الأجنبي)، والسلع، وتوقعات الأسعار الخاصة بها، تذكر أن تداول العقود مقابل الفروقات (CFDs) ينطوي على درجة كبيرة من المخاطر وقد لا يكون مناسباً لجميع المستثمرين. يمكن أن تؤدي المنتجات ذات الرافعة المالية إلى خسارة رأس المال. كما أن الأداء السابق ليس مؤشراً على النتائج المستقبلية. قبل البدء في التداول، يرجى التأكد من فهمك الكامل للمخاطر التي تنطوي عليها العملية، وخذ في الاعتبار أهدافك الاستثمارية ومستوى خبرتك. قد يتم تطبيق قيود على تداول العقود مقابل الفروقات على العملات الرقمية اعتماداً على النطاق القضائي.

آخر الأخبار

أسعار النفط

الأربعاء, 22 تَمُّوز 2026

Indices

أسعار النفط اليوم: خام برنت يتجاوز 95 دولاراً وسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.. هل يقترب النفط من 100 دولار؟

معادن

الأربعاء, 22 تَمُّوز 2026

Indices

سهم معادن يرتفع فوق 58 ريالًا: هل بدأ عملاق التعدين السعودي مرحلة صعود جديدة بدعم أسعار المعادن ورؤية السعودية 2030؟

سابك SABIC.

الأربعاء, 22 تَمُّوز 2026

Indices

سهم سابك يرتفع بأكثر من 2% ويستعيد مستوى 53 ريالاً هل تبدأ عملاقة البتروكيماويات السعودية موجة صعود جديدة؟

أسعار الذهب

الأربعاء, 22 تَمُّوز 2026

Indices

أسعار الذهب اليوم: الذهب يتراجع بشكل طفيف لكنه يحافظ على التداول فوق 4,120 دولاراً.. هل يستأنف الصعود نحو 4,200 دولار؟

SAL Saudi

الأربعاء, 22 تَمُّوز 2026

Indices

سهم سال السعودية للخدمات اللوجستية يتراجع إلى 163 ريالاً وسط ترقب النتائج.. هل تمثل الأسعار الحالية فرصة استثمارية جديدة؟

أسعار يورو

الثلاثاء, 21 تَمُّوز 2026

Indices

أسعار اليورو اليوم: اليورو يحوم قرب 4.30 ريال سعودي وسط ترقب قرارات المركزي الأوروبي

أسعار الذهب

الثلاثاء, 21 تَمُّوز 2026

Indices

أسعار الذهب اليوم: الذهب يقفز فوق 4,120 دولاراً ويستعيد أعلى مستوياته في أسابيع مع تنامي الطلب على الملاذات الآمنة

اسعار  الدولار

الثلاثاء, 21 تَمُّوز 2026

Indices

أسعار الدولار والعملات الخليجية اليوم: كيف تحركت عملات الخليج مع ارتفاع النفط وترقب قرارات الفيدرالي؟

أسعار البيتكوين

الثلاثاء, 21 تَمُّوز 2026

Indices

أسعار البيتكوين اليوم: البيتكوين تحافظ على تداولاتها فوق 66 ألف دولار رغم تراجع طفيف وترقب المستثمرين الخليجيين لقرارات الفيدرالي

أسعار النفط

الثلاثاء, 21 تَمُّوز 2026

Indices

أسعار النفط اليوم: برنت يقترب من 92 دولاراً وWTI فوق 85 دولاراً.. هل تستمر موجة الصعود في أسواق الطاقة؟